كل المقالات
🧠 علم النفس

التعلق القلق والتجنبي معًا: فخ القلق والتجنب

أحدهما يقترب والآخر يبتعد. نشرح كيف تتشكل دائرة «المطاردة والانسحاب» عندما يتصادم نمطا التعلق القلق والتجنبي، وكيف تستطيع الأزواج كسر هذه الدائرة فعليًا.

بقلم فريق تحرير QuizCupid٣ سبتمبر ٢٠٢٦5 دقيقة قراءة

التعلق القلق والتجنبي معًا: فخ القلق والتجنب

عندما تبقى رسالة نصية بلا رد لخمس دقائق، تشعر بانقباض في معدتك وتتفقد هاتفك مرارًا وتكرارًا. أما شريكك فيفعل العكس تمامًا: كلما حاولت الاقتراب أكثر، ابتعد خطوة، وفي اللحظة التي يتحول فيها الحديث إلى شيء عاطفي، يصمت أو يغيّر الموضوع. قد يبدو هذا لك مجرد عدم توافق عشوائي، لكنك في الحقيقة داخل نمط وصفه علم النفس منذ عقود: حلقة تغذي نفسها بنفسها تنشأ عندما يلتقي نمط التعلق القلق بنمط التعلق التجنبي.

كلنا، من المهد إلى اللحد، نكون في أسعد حالاتنا عندما تُنظَّم حياتنا كسلسلة من الرحلات القصيرة أو الطويلة، انطلاقًا من قاعدة آمنة توفرها لنا شخصياتنا المتعلَّق بها.

جون بولبي، A Secure Base (1988)

ماذا يحدث عندما يتصادم التعلق القلق والتجنبي؟

الشخص ذو التعلق القلق يفسر أي انخفاض في القرب على أنه تهديد؛ فيبحث عن الطمأنينة، يتصل، يرسل رسائل، يطلب توضيحات. أما الشخص ذو التعلق التجنبي فيعيش العكس تمامًا، فكلما ازداد القرب شعر بأنه محاصر واحتاج إلى مساحة. وبمقارنة هذا بفكرة بولبي عن «القاعدة الآمنة» أعلاه، يتضح أن كليهما يفتقد الشيء نفسه بطريقتين مختلفتين: بالنسبة للطرف القلق، لا تبدو العلاقة آمنة تمامًا أبدًا لأن الخوف من الفقدان مُفعَّل دائمًا؛ أما بالنسبة للطرف التجنبي، فإن القرب نفسه لا يُسجَّل كقاعدة آمنة، بل كتهديد لاستقلاليته.

مشهد رمزي بأسلوب الرسوم المتحركة الياباني (cel-shading) يُظهر شخصية تقترب بينما تبتعد الأخرى
مشهد رمزي بأسلوب الرسوم المتحركة الياباني (cel-shading) يُظهر شخصية تقترب بينما تبتعد الأخرى

لماذا ينجذبان إلى بعضهما البعض بهذا الشكل؟

رغم أن هذا الاقتران قد يبدو غريبًا للوهلة الأولى، إلا أنه شائع جدًا، لأن كل طرف يجد في الآخر انعكاسًا لصراعه الداخلي الخاص. فبالنسبة للطرف القلق، يشعر كسب اهتمام شريك بعيد وكأنه أخيرًا «يستحق» الطمأنينة التي يتوق إليها، مما يمنح العلاقة معنى مكثفًا؛ أما بالنسبة للطرف التجنبي، فإن إصرار شريك قلق لا يستسلم أبدًا يبدو وكأنه نوع القرب الوحيد الذي لن يسعى إليه بنفسه أبدًا. المشكلة أن هذا الانجذاب لا ينبع من توافق صحي، بل من التعزيز المتقطع (intermittent reinforcement)، وهو نفس النمط المتقلب بين الدفء والبعد الذي يُعرف في علم النفس السلوكي بأنه أحد أكثر أنماط المكافأة إدمانًا؛ فعدم اليقين قد يبدو أكثر جاذبية من القرب المتوقَّع.

رسم توضيحي لشخصيتين تُجذبان في اتجاهين متعاكسين، بموضوع التعزيز المتقطع
رسم توضيحي لشخصيتين تُجذبان في اتجاهين متعاكسين، بموضوع التعزيز المتقطع

كيف تعمل دائرة «المطاردة والانسحاب» فعليًا؟

يوضح عالما النفس ماريو ميكولينسر وفيليب شيفر، في كتابهما «Attachment in Adulthood» (2007)، أن هذين النمطين يلجآن إلى استراتيجيتين متعاكستين عند الشعور بالتهديد: الطرف القلق ينتقل إلى استراتيجية «التنشيط المفرط» (hyperactivation)، أي يضخّم مشاعره، ويصرّ على لفت انتباه شريكه، يتصل، يسأل؛ أما الطرف التجنبي فينتقل إلى استراتيجية «إلغاء التنشيط» (deactivation)، أي يكبت حاجته، يضع مسافة، ويتجنب أي شيء يشبه الحديث العاطفي. يرتفع صوت أحدهما بينما يصمت الآخر، مما يدفع الأول إلى محاولة «أن يُسمَع» بصوت أعلى، والثاني إلى الانسحاب أكثر. في أدبيات العلاج الزوجي، تُعرف هذه الدائرة عادة باسم دائرة «المطاردة والانسحاب» (pursue-withdraw)، وهي تقع في صميم نموذج العلاج المركّز على الانفعال (Emotionally Focused Therapy) الذي طورته سو جونسون.

مشهد يرمز إلى دائرة المطاردة والانسحاب، شخصية تتحدث بصوت عالٍ بينما تدير الأخرى ظهرها بصمت
مشهد يرمز إلى دائرة المطاردة والانسحاب، شخصية تتحدث بصوت عالٍ بينما تدير الأخرى ظهرها بصمت

اللحظات التي تُشعل الدائرة

عادة ما تكون المحفزات صغيرة ومتكررة: رد متأخر على رسالة، خطة نهاية أسبوع غير واضحة، شعور أحد الطرفين بأنه يبذل جهدًا أكبر من الآخر. تُظهر أبحاث عالم النفس أندرو كريستنسن حول النزاع الزوجي أن أحد الطرفين يميل أثناء الجدال إلى الإصرار على الحديث وحل المشكلة (دور «المُطالِب»)، بينما يميل الآخر إلى الابتعاد عن الموضوع (دور «المنسحب»)، وهو نمط (demand-withdraw) يتكرر لدى كثير من الأزواج بغض النظر عن موضوع الخلاف الفعلي. وفي حالات التعلق القلق-التجنبي، يثبت توزيع هذين الدورين تقريبًا في نفس الاتجاه دائمًا، مما يخلق شعورًا بأن المشهد نفسه يُعاد تمثيله في كل مرة بغض النظر عمّا أشعل الخلاف.

مشهد يرمز إلى لحظة محفزة صغيرة، هاتف وشخصيتان، بأسلوب رسوم متحركة ذي ظلال قطاعية
مشهد يرمز إلى لحظة محفزة صغيرة، هاتف وشخصيتان، بأسلوب رسوم متحركة ذي ظلال قطاعية

ما الذي يكسر الدائرة فعليًا؟

الخطوة الأولى هي ملاحظة النمط نفسه بدلًا من محتوى الجدال؛ فبمجرد أن يستطيع أحدهما القول «نحن ندخل في الدائرة نفسها مجددًا»، يتحول الجدال من كونه موجهًا ضد الطرف الآخر إلى كونه موجهًا ضد نمط مشترك. بالنسبة للطرف التجنبي، هناك إطار مفيد وهو الفصل بين طلب المساحة والاختفاء: فجملة «لا أستطيع الحديث عن هذا الآن، لكن لنتحدث غدًا صباحًا» تمنح طمأنينة مختلفة تمامًا عن الاختفاء الصامت دون كلمة. أما بالنسبة للطرف القلق، فالتعبير عن الحاجة مباشرة بدلًا من توجيهها كاتهام يساعد بالقدر نفسه: فجملة «أحتاج إلى بعض الطمأنينة الآن» تُستقبَل بشكل مختلف تمامًا عن «هل ستتركني؟»، ولا تضع الطرف الآخر في موقف دفاعي. على كلا الطرفين التدرب على فعل عكس ردة فعلهما القديمة، الإصرار أو الاختفاء، بخطوات صغيرة ومتعمدة.

شخصيتان تتحدثان بهدوء على طاولة مشتركة، تصور لحظة كسر الدائرة
شخصيتان تتحدثان بهدوء على طاولة مشتركة، تصور لحظة كسر الدائرة

متى يجب طلب دعم متخصص؟

يكفي الوعي والتواصل الأفضل بالنسبة لكثير من الأزواج، لكن إذا ظلت الدائرة عالقة في النقطة نفسها لسنوات، أو شعر أحد الطرفين (وأحيانًا كلاهما) بانعدام أمان مزمن، فإن طلب الدعم المتخصص خطوة منطقية تالية. صُمم العلاج المركّز على الانفعال الذي طورته سو جونسون خصيصًا لاستهداف هذه الدائرة بالذات: الهدف ليس تحديد من على حق، بل مساعدة الطرفين على جعل الخوف الكامن تحت السلوك الظاهر، وهو الخوف من الهجر عند طرف والشعور بالاختناق عند الآخر، مرئيًا لكل منهما.

مشهد يرمز إلى جلسة علاج، شخصيتان مع شخصية ثالثة (المعالج) بينهما
مشهد يرمز إلى جلسة علاج، شخصيتان مع شخصية ثالثة (المعالج) بينهما

الأسئلة الشائعة

هل يمكن للأزواج ذوي التعلق القلق-التجنبي أن يكونوا سعداء؟ نعم، لكن عادة ليس بالصدفة، بل يتطلب جهدًا واعيًا. الأزواج الذين يتعرفون على الدائرة ويسمّونها يستجيبون للمحفزات نفسها بشكل أسرع وبضرر أقل بكثير.

هل نمط التعلق ثابت مدى الحياة؟ لا. مفهوم «الأمان المكتسَب» (earned security) الذي يشير إليه ميكولينسر وشيفر أيضًا، يُظهر أن الشخص الذي طوّر نمط تعلق غير آمن في الطفولة يمكنه مع ذلك التحرك نحو نمط أكثر أمانًا بمرور الوقت من خلال علاقة مستقرة ومتسقة، أو من خلال العلاج، في مرحلة البلوغ.

هل يجب أن يتغير الطرف التجنبي فقط؟ لا، بما أن الدائرة نتاج مشترك بين الطرفين، فإن التغيير يجب أن يأتي من كليهما: على الطرف التجنبي أن يتعلم طلب المساحة دون الاختفاء، وعلى الطرف القلق أن يتعلم طلب الطمأنينة دون الإصرار الملحّ. فإذا تغيّر أحدهما وبقي الآخر في دوره القديم، فإن الدائرة لا تختفي، بل تغيّر اتجاهها فقط.

دائرة القلق-التجنب ليست في جوهرها سوى خوفين مختلفين يُثاران في اللحظة نفسها: أحدهما يخاف من أن يُترَك، والآخر يخاف من أن يُبتلَع. يشعر كلاهما بأنه محقّ من زاويته، ولهذا السبب بالتحديد تُكسَر الدائرة بتسميتها معًا، لا بتوجيه اللوم. في خلافكما القادم، النظر إلى الدور القديم الذي انزلقتما إليه، بدلًا من موضوع الجدال التقني، غالبًا ما يكون الطريق الأسرع للخروج منه.

جرّب الاختبار ذا الصلةاختبار التوافق في العلاقةأسئلة عن التواصل والثقة والوقت المشترك تقيس مدى انسجام علاقتكما فعلًا.ابدأ الاختبار
مشاركة

المزيد في علم النفس

كل المقالات