ما الذي يعلّمنا إياه أوديسيوس وبينيلوپي عن العلاقات
بينما يحطم فيلم نولان «الأوديسة» أرقام شباك التذاكر، نلقي نظرة على ما تعلّمنا إياه ملحمة هوميروس عن الفراق والغموض والثقة.
بقلم فريق تحرير QuizCupid٤ سبتمبر ٢٠٢٦5 دقيقة قراءة

المحتويات7
- 01لماذا أوديسيوس، ولماذا الآن؟
- 02عشرون عامًا من عمر بينيلوپي: ما هو «الفقدان الغامض»؟
- 03عودة أوديسيوس: العودة إلى البيت ليست كالعودة بالشخص نفسه
- 04اختبار الوفاء: حيلة النسيج عند بينيلوپي
- 05مشهد التعرّف: كيف تُبنى الثقة من جديد فعليًا
- 06من الأسطورة إلى اليوم: القاسم المشترك بين حالات الفراق الطويل
- 07أسئلة شائعة
بينما يحقق فيلم كريستوفر نولان «الأوديسة» أرقامًا قياسية في شباك التذاكر، تعود ملحمة هوميروس التي يبلغ عمرها 3000 عام إلى الواجهة من جديد. لكن هذه القصة ليست فقط عن الحرب ووحوش البحر والآلهة؛ ففي جوهرها فراق دام عشرين عامًا بين شخصين. تستغرق رحلة عودة أوديسيوس من طروادة عشر سنوات، لكن العشرين عامًا التي تقضيها بينيلوپي في إيثاكا (عشر سنوات من الحرب وعشر سنوات من رحلة العودة) قصة مختلفة تمامًا، نادرًا ما تُروى من جانبها.
«كان وجهها يذوب، مثل الثلج الذي ينثره زفيروس على قمم الجبال؛ ثم يذيبه يوروس، وبينما يذوب، تفيض الأنهار وتجري من جديد. هكذا ذابت وجنتاها الجميلتان بالدموع. كانت تبكي على زوجها بالذات، وهو يجلس بجانبها تمامًا». — هوميروس، الأوديسة، النشيد التاسع عشر (نقلًا عن الترجمة الإنجليزية لإميلي ويلسون، 2018)
لماذا أوديسيوس، ولماذا الآن؟
قد يبيع فيلم نولان القصة عبر الحركة والضخامة، لكن هذا ليس سبب بقاء الأوديسة حية لآلاف السنين. تدور الملحمة في جوهرها حول ما يحدث حين يُفصل الناس عن بعضهم لفترة طويلة جدًا، وكيف يغيّر ذلك الفراق كليهما، ولماذا لا يعني لقاؤهما مجددًا مجرد العودة إلى ما كان عليه الحال من قبل. بالنسبة لكل من يعيش علاقة عن بعد، أو انتشارًا عسكريًا، أو حكمًا طويلًا بالسجن، أو مرضًا طويلًا أبعده عن أحد أحبائه، تبدو هذه القصة التي يبلغ عمرها 3000 عام مألوفة بشكل مفاجئ.
عشرون عامًا من عمر بينيلوپي: ما هو «الفقدان الغامض»؟
هناك مفهوم في علم النفس يصف وضع بينيلوپي بدقة تقريبًا: الفقدان الغامض (ambiguous loss). صاغت المعالجة والباحثة بولين بوس هذا المصطلح في كتابها الصادر عام 1999 بعنوان «Ambiguous Loss: Learning to Live with Unresolved Grief»، لوصف الحالات التي يكون فيها الشخص غائبًا جسديًا دون وجود فقدان مؤكد، كما هو الحال مع عائلات الجنود المفقودين في الحرب أو أقارب مرضى الزهايمر. تقف بينيلوپي في هذا الموقف تحديدًا: لا تعرف إن كان زوجها حيًا أم ميتًا، ولا تستطيع الحداد لأنه لا يوجد فقدان مؤكد، ولا تستطيع المضي قدمًا لأن الغموض لا ينتهي أبدًا. وقد وجدت أبحاث بوس أن هذا النوع من الغموض قد يكون أصعب تحملًا من فقدان واضح، لأن العقل لا يصل أبدًا إلى الخاتمة، بل يتأرجح باستمرار بين الأمل واليأس.
عودة أوديسيوس: العودة إلى البيت ليست كالعودة بالشخص نفسه
حين يصل أوديسيوس إلى إيثاكا، لا يتعرف عليه أحد، ويعود ذلك جزئيًا إلى تغيّر مظهره، لكن السبب الأكبر أن ما عاشه في طروادة وأثناء رحلة العودة جعله شخصًا مختلفًا. يدخل بيته متنكرًا في زي متسول، ولا يكشف عن هويته لأحد في البداية. وهذا ليس مجرد حيلة سردية: فمن يعود بعد فراق طويل غالبًا لا يكون الشخص نفسه الذي رحل. من يعود من حرب أو مرض أو عزلة طويلة قد يصبح غير قابل للتعرف عاطفيًا، ومن ينتظره أحيانًا يرى الجسد المألوف أولًا قبل أن يلاحظ التغيّر بداخله. إعادة بناء العلاقة بعد ذلك تعني التعرف على النسخة الجديدة من الآخر، لا انتظار عودة القديمة.
اختبار الوفاء: حيلة النسيج عند بينيلوپي
من السهل تخيل بينيلوپي وهي تنتظر بسلبية، لكنها في الملحمة أبعد ما تكون عن السلبية. تخبر خُطّابها أنها ستختار أحدهم بمجرد أن تنتهي من نسج كفن لحميها، ثم تفكّ ما نسجته سرًا كل ليلة، بحيث لا ينتهي العمل أبدًا. وهكذا تُبقي 108 خُطّاب في حالة انتظار لسنوات. هذا التفصيل مهم: الوفاء هنا ليس مجرد «عدم فعل شيء والانتظار»، بل هو بينيلوپي وهي تكسب الوقت بفاعلية وتحافظ على السيطرة على مستقبلها بدلًا من الاستسلام لقدرها ببساطة. الوفاء في العلاقات الحقيقية يعمل غالبًا بالطريقة نفسها؛ فما يبدو من الخارج إخلاصًا سلبيًا يتكوّن من الداخل عادةً من الكثير من الخيارات الصغيرة الفاعلة.
مشهد التعرّف: كيف تُبنى الثقة من جديد فعليًا
حين يعود أوديسيوس أخيرًا، لا تقبله بينيلوپي فورًا، بل تختبره. تطلب من إحدى الخادمات أن تنقل سرير الزوجية خارج الغرفة. يرد أوديسيوس بغضب، لأنه بنى ذلك السرير بيديه حول جذع زيتونة حية لا تزال جذورها في الأرض؛ ولا يمكن نقله دون قطع الشجرة. لا يمكن لأحد سوى أوديسيوس الحقيقي أن يعرف ذلك. في هذه اللحظة بالتحديد تتعرف عليه بينيلوپي، ليس عبر التصريحات، بل عبر حقيقة صغيرة مشتركة وقابلة للتحقق لا يعرفها سواهما. إعادة بناء الثقة بعد فراق طويل تعمل غالبًا بالطريقة نفسها في الحياة الحقيقية: ليس عبر وعود مجرّدة، بل عبر تفاصيل صغيرة يمكن التحقق منها تُثبت أن الماضي المشترك حقيقي.
من الأسطورة إلى اليوم: القاسم المشترك بين حالات الفراق الطويل
تشترك قصة بينيلوپي وأوديسيوس في بنيتها الأساسية مع كثير من الحالات المعاصرة: عائلات الجنود المفقودين، وفترات العلاج الطبي الطويلة، وأحكام السجن، والعلاقات عن بعد؛ كلها تتضمن غيابًا جسديًا أو عاطفيًا، ونقصًا في المعلومات المؤكدة، ومحاولة بناء حياة داخل تلك الفجوة. وجدت أبحاث بوس أن من يتأقلمون جيدًا مع هذه الحالات يشتركون في سمة واحدة: بدلًا من تجاهل الغموض أو الاستسلام له، يتعلمون حمل الأمل والفقدان المحتمل في آنٍ واحد. فالسؤال الحقيقي ليس «متى يجب أن أستسلم؟»، بل «كيف أواصل الحياة بينما يبقى هذا الأمر بلا حل؟».
أسئلة شائعة
هل استغرقت رحلة أوديسيوس عشرين عامًا فعلًا؟ نعم: استمرت حرب طروادة عشر سنوات، واستغرقت رحلة عودته بعدها عشر سنوات أخرى. انتظرت بينيلوپي طوال تلك المدة دون أن تعرف ما حدث له.
هل كانت بينيلوپي وفية حقًا، أم أنه لم يكن أمامها خيار آخر؟ في الملحمة، يريد 108 خُطّاب الزواج منها، ورفضهم جميعًا لم يكن سهلًا أبدًا، فالضغط الاجتماعي والاقتصادي كان حقيقيًا. من الأدق قراءة وفائها كمقاومة فاعلة استمرت سنوات، لا كسلبية افتراضية.
هل الدرس الوحيد هنا هو «ابقَ وفيًا»؟ لا. جوهر الأمر هو كيف يتمكن شخصان، غيّرهما فراق طويل، من إعادة التواصل من الأساس؛ الوفاء ليس سوى جزء من ذلك.
ربما لم تبقَ الأوديسة حية حتى اليوم بسبب معارك السيوف، بل لأنها تصف الفراق والغموض ولمّ الشمل بلغة لا تزال، بعد ثلاثة آلاف عام، لا تبدو بعيدة جدًا عنا. قد يأخذ فيلم نولان الجمهور إلى الحرب، لكن قلب القصة ظل دائمًا في إيثاكا، في ذلك البيت الذي كان ينتظر عودة.
المزيد في العلاقات
كل المقالات
💞 العلاقاتما هي الخيانة الصغرى (Micro-Cheating) وأين حدودها؟
الإعجاب بصورة سرا، رسائل مع حبيب سابق تصبح شخصية. ليست خيانة تقليدية لكنها ليست بريئة أيضا. نوضح أين تقع حدود الخيانة الصغرى.
💞 العلاقاتكيف تعتذر بفعالية وتُصلح العلاقة؟
معظم عبارات أنا آسف ليست اعتذارات حقيقية. عبر مفهوم غوتمان لمحاولة الإصلاح، نوضح كيف يبدو الاعتذار الذي ينجح فعلا.
💞 العلاقاتما هي العلاقة الغامضة (Situationship)؟
لستم أصدقاءً ولا أحباءً. نوضح في هذا المقال ما هي «العلاقة الغامضة (Situationship)» بالضبط، ولماذا أصبحت شائعةً إلى هذا الحد، وكيف تطورت.
مقالات أخرى
- الحديث عن المال في العلاقة: متى وكيف؟
- لماذا يصعب لمّ الشمل في العلاقة عن بُعد؟
- 25 سؤالًا لإبقاء الحديث مستمرًا في أول موعد
- دروس العلاقات من الأزواج الخياليين: أفلام ومسلسلات
- أفضل تطبيقات التعارف: دليل 2026
- 7 علامات على أنكما متوافقان في علاقتكما
- كيف تفهم لغة حب شريكك؟ 5 إشارات يومية
- كيف تُبنى الثقة في العلاقة؟ 6 خطوات عملية
- 5 قواعد ذهبية للتواصل الصحي في العلاقات


